في تركيا، كثيرًا ما يرافق الأحداث السياسية الكبرى أثرٌ جانبي مألوف: تتوقف منصات مثل X وInstagram وYouTube وWhatsApp فجأة عن التحميل، بينما يواصل باقي الإنترنت العمل. وغالبًا لا يكون ذلك قطعًا كاملًا للإنترنت، بل «إبطاءً» لعرض النطاق (throttling)، أي خفضًا موجّهًا للسرعة قد يستمر من بضع ساعات إلى عدة أيام.

يشرح هذا المقال كيف يعمل الإبطاء، والقاعدة القانونية التي تسمح به، وما حدث في الواقعتين الكبريين عام 2025، وما يمكن للمستخدمين العاديين توقّعه والاستعداد له في المرة القادمة. ويستند إلى ما هو موثّق علنًا حتى أكتوبر 2026.

ما المقصود بـ«الإبطاء»

الإبطاء يعني تقليل سرعة حركة البيانات إلى منصات بعينها إلى حدّ يجعل استخدامها شبه مستحيل. تبقى بيانات الهاتف أو الاتصال المنزلي تعمل: مواقع الأخبار وتطبيقات المصارف والبريد الإلكتروني تفتح كالمعتاد، لكن الصفحات لا تتحدّث، والفيديو لا يعمل، والرسائل تبقى عالقة عند «جارٍ الإرسال».

يبدو هذا للمستخدم مختلفًا تمامًا عن انقطاع شامل على مستوى البلاد. فلأن بعض الخدمات فقط تتأثر، يظن كثيرون أولًا أن التطبيق نفسه معطّل أو أن هاتفهم فيه مشكلة. لكن عمليًا، إذا تعطّلت عدة منصات كبرى في اللحظة نفسها بينما تعمل المواقع الأخرى، فالتفسير الأرجح هو تقييد موجّه.

وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW)، في حديثها عن واقعة سبتمبر 2025، هذا الإجراء بأنه «إبطاء لعرض النطاق»، مع إشارتها إلى أن المنصات كانت في الواقع غير قابلة للوصول. ولا تنشر السلطات ولا مزوّدو الخدمة عادةً تفاصيل تقنية، لذا لا تكون الآلية الدقيقة واضحة دائمًا.

الأساس القانوني: المادة 60/10 من القانون رقم 5809

بحسب هيومن رايتس ووتش، فإن القاعدة الأساسية هي المادة 60/10 من قانون الاتصالات الإلكترونية التركي (القانون رقم 5809). وهي تسمح للرئاسة بأن تأمر هيئة تقنيات المعلومات والاتصالات (BTK) بتقييد الاتصالات دون أمر قضائي حين يكون هناك «خطر في التأخير»، أي وضع تعدّه السلطات أكثر إلحاحًا من أن ينتظر قاضيًا.

ويسير الجدول الزمني على النحو الآتي:

  • يمكن أن يبدأ التقييد فورًا بأمر من الرئاسة؛
  • يجب عرضه على المحكمة خلال 24 ساعة؛
  • ثم أمام المحكمة 48 ساعة لتصدر قرارها.

وبالمجمل، تقول المنظمة، يمكن تقييد الاتصالات لمدة تصل إلى 72 ساعة دون موافقة قضائية. وقد أُضيف هذا النص في أغسطس 2016 بمرسوم في ظل حالة الطوارئ، ثم أصبح قانونًا دائمًا في نوفمبر من العام نفسه.

وهذا أمر منفصل عن الحجب اليومي للمواقع، وهو أوسع بكثير. فقد أحصى تقرير لجمعية حرية التعبير (İFÖD)، لخّصه مركز ستوكهولم للحرية في يونيو 2026، حجب أكثر من 232 ألف موقع واسم نطاق في عام 2025 وحده، ونحو 1.5 مليون منذ 2018.

ما الذي حدث في 2025

مارس 2025: 42 ساعة

بعد احتجاز رئيس بلدية إسطنبول آنذاك أكرم إمام أوغلو، مرشّح حزب المعارضة الرئيسي (CHP)، في مارس 2025، جرى إبطاء X وTikTok وYouTube وInstagram وTelegram في إسطنبول لمدة 42 ساعة، وفق هيومن رايتس ووتش. كما سجّلت فريدم هاوس في تقريرها Freedom on the Net 2025 إبطاء الوصول إلى وسائل التواصل لمدة 42 ساعة خلال الاحتجاجات التي أعقبت الاعتقال.

سبتمبر 2025: نحو 21 ساعة

اعتبارًا من الساعة 11:45 مساء 7 سبتمبر 2025، أصبحت X وInstagram وYouTube وTikTok وFacebook وWhatsApp وTelegram وSignal غير قابلة للوصول في إسطنبول لنحو 21 ساعة، بحسب هيومن رايتس ووتش. وتزامن ذلك مع حصار الشرطة لمقرّ حزب CHP في إسطنبول بعد أن استبدلت محكمة قيادة الحزب في المحافظة بأوصياء. ومقارنةً بمارس، شملت القائمة هذه المرة تطبيقَي المراسلة WhatsApp وSignal اللذين تعتمد عليهما عائلات وشركات كثيرة يوميًا.

وأشارت المنظمة إلى أنه «لم يُقدَّم أي تفسير رسمي للإبطاء».

وقائع سابقة

لم تكن هذه المرة الأولى. تذكر هيومن رايتس ووتش إبطاءً بعد تفجير في إسطنبول في نوفمبر 2022، وبعد زلازل فبراير 2023 حين أُبطئت X لنحو 12 ساعة. وتفيد فريدم هاوس بأن الوصول إلى الإنترنت أُبطئ أسبوعًا في يوليو 2024 خلال احتجاجات في ولاية قيصري، وأن هيئة BTK حجبت Instagram تسعة أيام في أغسطس 2024.

حجب خوادم VPN

تطال القيود خدمات VPN أيضًا. فبحسب تقرير İFÖD كما لخّصه مركز ستوكهولم للحرية، حُجب في 2025 ما مجموعه 454 عنوان خادم مرتبطًا بـ26 خدمة VPN. وكتبت هيومن رايتس ووتش في سبتمبر 2025 أن معظم مزوّدي VPN الكبار محجوبون منذ سنوات، ووصفت VPN بأنها ليست بديلًا موثوقًا خلال مثل هذه الاضطرابات.

إن لم تكن متأكدًا مما هي VPN وما الذي تفعله، فمقالنا ما هي VPN؟ يشرح الأساسيات. وتختلف قواعد استخدام VPN من بلد إلى آخر وتتغير مع الوقت، لذا تحقّق من القانون الساري حيث تعيش؛ ويشرح مقالنا هل استخدام VPN قانوني؟ ما الذي ينبغي الانتباه إليه.

هل هناك نمط متكرر؟

في الحالات الموثّقة تتكرر بضعة أمور:

  • التوقيت يتبع الأحداث. تزامنت القيود مع اعتقالات واحتجاجات وهجمات وكوارث.
  • غالبًا ما تكون محلية. رُصدت واقعتا 2025 في إسطنبول تحديدًا.
  • تأتي دون إنذار. لا إعلان مسبق، ووفق هيومن رايتس ووتش لم يصدر تفسير رسمي بعد واقعة سبتمبر 2025.
  • قصيرة لكنها مُربكة. من ساعات إلى يومين تقريبًا، ضمن مهلة الـ72 ساعة التي يسمح بها القانون قبل أن تبتّ المحكمة.
  • قائمة المنصات تتّسع. أُضيفت تطبيقات المراسلة في سبتمبر 2025.

حتى أكتوبر 2026، لم نجد توثيقًا مستقلًا لإبطاء منصات على مستوى تركيا كلها خلال 2026. لكن هذا لا يعني أنه لن يتكرر، فالآلية القانونية ما زالت قائمة.

ما الذي يمكن توقّعه وكيف تستعد

لا أحد يستطيع التنبؤ بدقة بموعد القيد التالي أو شكله، لكن الاستعداد الهادئ يساعد:

  • تعرّف على العلامات. إذا تعطّلت عدة منصات كبرى معًا بينما تعمل المواقع الأخرى، فالمشكلة على الأرجح ليست في هاتفك. تجنّب إعادة ضبط الجهاز أو إعادة تثبيت التطبيقات بدافع الذعر.
  • اتفق على وسيلة تواصل احتياطية مع العائلة والزملاء: المكالمات الهاتفية العادية أو الرسائل النصية القصيرة أو البريد الإلكتروني، إذ لم تكن ضمن الخدمات المذكورة في حالات 2025 الموثّقة.
  • اعتمد على مصادر موثوقة. تنتشر الشائعات بسرعة أثناء الاضطرابات. تحقّق من المعلومات عبر وسائل إعلام راسخة وبيانات رسمية قبل مشاركتها.
  • احذر تطبيقات «الحل السريع». التطبيقات المجهولة التي تعد بالوصول أثناء الانقطاع طريق شائع للبرمجيات الخبيثة وسرقة البيانات. يشرح دليلنا عن تطبيقات VPN المزيفة وعلاماتها التحذيرية ما الذي يجب الانتباه إليه.
  • احمِ حساباتك. فعّل التحقق بخطوتين وحدّث خيارات الاسترداد، حتى لا تتحول أيام مرتبكة إلى حساب مفقود.
  • احتفظ بنسخ احتياطية من المحادثات والصور المهمة، تحسّبًا لاضطرارك إلى إعادة تثبيت تطبيق لاحقًا.

إن أردت أن ترى كيف يبدو اتصالك من الخارج، مثل عنوان IP العام ومزوّد الخدمة، يمكنك استخدام أداتنا ما هو عنوان IP الخاص بي.

الخلاصة

  • الإبطاء في تركيا يستهدف عادةً منصات بعينها لا الإنترنت كله.
  • تسمح المادة 60/10 من القانون رقم 5809 بالتقييد لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل أن تبتّ المحكمة، وفق هيومن رايتس ووتش.
  • في 2025 شهدت إسطنبول 42 ساعة من الإبطاء في مارس ونحو 21 ساعة في سبتمبر، مع إضافة تطبيقات المراسلة في المرة الثانية.
  • أحصى تقرير İFÖD حجب أكثر من 232 ألف موقع في 2025 و454 عنوان خادم VPN.
  • الاستعداد يتعلق أساسًا بخطة للتواصل ومعلومات موثوقة وأمان الحسابات، لا بتطبيق واحد بعينه.